من يدفع ثمن الحرب الأمريكية على إيران؟ كيف تُصدِّر واشنطن كلفة الحرب إلى العالم

Admin SAE May 6, 2026

لا تُقاس الحروب الحديثة بعدد الصواريخ فقط، بل بكيفية توزيع فاتورتها على الاقتصادات. وفي حالة الولايات المتحدة، لا يكمن السؤال الاقتصادي الأهم في كلفة الحرب المباشرة وحدها، بل في من يتحملها فعليًا. فواشنطن تدخل أي مواجهة كبرى وهي تمتلك امتيازًا لا تملكه أي دولة أخرى: عملتها هي العمود الفقري للنظام المالي العالمي، وأسواق سنداتها هي الخزان الذي تمتص عبره مدخرات العالم، وسياستها النقدية تفرض إيقاعها على بقية البنوك المركزية. لذلك، حين ترتفع كلفة الحرب على الخزانة الأمريكية، لا تبقى الكلفة داخل الحدود الأمريكية؛ بل تنتقل عبر ثلاث قنوات رئيسية: الدولار، والطاقة، وأسعار الفائدة. وهذا ما يجعل الحرب الأمريكية على إيران تهديدًا للاقتصاد العالمي كله، لا مجرد أزمة إقليمية.

ويعتبر توقيت هذه الحرب شديد الحساسية من الناحية المالية. فبحسب مكتب الموازنة في الكونغرس، يبلغ عجز الموازنة الفيدرالية في 2026 نحو 1.9 تريليون دولار، بينما ترتفع الفائدة الصافية على الدين إلى نحو تريليون دولار هذا العام، مع دين عام محتفظ به لدى الجمهور يعادل 101% من الناتج المحلي في العام 2026 ويتجه إلى 120% بحلول عام 2036. هذه ليست أرقام لاقتصاد مريح يدخل حربًا طويلة بلا أثمان، بل أرقام اقتصاد مثقل أصلًا بالدين والعجز. ومع ذلك لا تواجه الولايات المتحدة قيود التمويل نفسها التي تواجهها الدول الأخرى، لأن الخزانة الأمريكية ما تزال قادرة على الاقتراض من سوق عالمي شديد العمق، ولأن الأصول الدولارية ما تزال تمثل الملاذ الأكبر للمستثمرين والبنوك المركزية.

هذا الامتياز لا ينفصل عن مكانة الدولار. فوفق مجلس الاحتياطي الفيدرالي، شكّل الدولار 58% من الاحتياطيات الرسمية المعلنة عالميًا في 2024، متقدمًا بفارق واسع على اليورو والين والجنيه الاسترليني والرنمينبي. كما تُظهر بيانات صندوق النقد أن الدولار، رغم تراجعه البطيء عن ذروته التاريخية، ما يزال العملة الاحتياطية المهيمنة عالميًا، فيما يظل الرنمينبي لاعبًا صغيرًا نسبيًا؛ إذ بلغت حصته في مدفوعات سويفت العالمية 3.13% فقط في يناير 2026. معنى ذلك أن واشنطن حين تموّل حربها بالاقتراض وإصدار المزيد من السندات، فإنها تفعل ذلك داخل نظام عالمي ما زال يعيد تدوير المدخرات نحو الأصول الدولارية، لا بعيدًا عنها.

هنا تبدأ الآلية الأولى لتصدير كلفة الحرب: قناة الدين والدولار. فكلما زادت الحرب حاجة الخزانة الأمريكية إلى التمويل، زادت الإصدارات، واتسعت حساسية العالم تجاه عوائد السندات الأمريكية. وتكفي نظرة إلى بيانات وزارة الخزانة لفهم حجم الارتباط: اليابان كانت تمتلك في يناير 2026 نحو 1.225 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، والصين نحو 694.4 مليار دولار. أي تحرك حاد في أسعار السندات أو عوائدها لا يبقى شأنًا أمريكيًا داخليًا، بل يتحول مباشرة إلى خسائر دفترية وضغوط على الاحتياطيات في طوكيو وبكين، وإلى توترات في أسواق الصرف والتمويل العالمية.

لكن الخطر الأكبر لا يأتي من التمويل وحده، بل من الطاقة. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري حساس، بل أحد أعصاب الاقتصاد العالمي. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تقدر أن 20 مليون برميل يوميًا مرّت عبر المضيق في 2024، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك السوائل النفطية عالميًا. كما مر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، معظمها من قطر، وكان 83% من هذا الغاز المتجه عبر المضيق يذهب إلى الأسواق الآسيوية. لذلك فإن الحرب على إيران، بما تحمله من تهديد لحركة الملاحة في هرمز، لا ترفع أسعار النفط فقط؛ بل تضرب في الوقت نفسه أمن الغاز، وتكاليف الشحن، والتأمين، والإنتاج الصناعي في آسيا وأوروبا.

ولهذا كان رد فعل السوق عنيفًا. رويترز نقلت في 25 مارس 2026 أن خام برنت كان عند 98.41 دولارًا بعد تراجع يومي يقارب 5% بفعل الآمال المتعلقة بالهدنة، بينما حذّر مستثمرون كبار من أن استمرار التهديد لهرمز قد يعني سنوات من النفط بين 100 و150 دولارًا للبرميل. وفي التقرير نفسه وصفت وكالة الطاقة الدولية التعطل الحالي بأنه أكبر اضطراب نفطي مسجل، مع فقدان يومي يقارب 20 مليون برميل نتيجة توقف جزء كبير من الإمدادات المارة عبر المضيق. هذا يعني أن الخطر لم يعد مجرد “علاوة جيوسياسية” مؤقتة في السعر، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر المرتبطة بالطاقة الخليجية.

المشكلة أن صدمة الطاقة لا تبقى داخل سوق النفط. فبحسب أبحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، فإن زيادة مفاجئة بنسبة 20% في سعر النفط الخام تُترجم تقريبًا إلى زيادة 10% في سعر البنزين للمستهلك الأمريكي، وهو ما يرفع مؤشر أسعار المستهلك بنحو 0.3 نقطة مئوية، مع انتقال سريع نسبيًا خلال نحو أربعة أسابيع. كما يوضح البحث نفسه أن النفط يؤثر أيضًا بطريقة غير مباشرة عبر الديزل ووقود الطائرات والنقل الصناعي، وأن 70% من الزيادة في تكاليف الطاقة لدى المصانع الأمريكية تُمرَّر إلى المستهلكين على المدى القصير إلى المتوسط. هذه الدينامية تفسر لماذا تتحول صدمة النفط بسرعة إلى تضخم أوسع من قطاع الطاقة نفسه.

ومن الطاقة تنتقل العدوى إلى الزراعة والغذاء. تقرير البنك الدولي عن آفاق أسواق السلع يشير إلى أن أسعار الغاز الطبيعي كانت في ارتفاع في 2025، وأن السوق الأوروبية كانت مرشحة لمزيد من الضغط، فيما تظل تكاليف الغاز عنصرًا حاسمًا في تسعير الأسمدة. وإذا كان الغاز هو المادة الخام الأساسية في جزء كبير من صناعة الأسمدة النيتروجينية، فإن أي اضطراب في إمدادات الغاز المسال من الخليج ينعكس بسرعة على اليوريا والأمونيا وسلاسل الإنتاج الزراعي. وهنا لا تعود الأزمة مسألة “وقود أغلى” فقط، بل تتحول إلى غذاء أغلى، وإلى ارتفاع في كلفة المحاصيل والنقل والتبريد والتصنيع الغذائي.

وهذه الحلقة هي جوهر ما يسمى تصدير التضخم. فالولايات المتحدة قد تمتص جزءًا من الصدمة بفضل إنتاجها المرتفع من النفط والغاز، لكنها لا تمنع انتقال أثر الحرب إلى الأسعار العالمية، لأنها تحارب في قلب عقدة الطاقة والتسعير الدولارية. وحين يرتفع النفط والغاز والشحن بالدولار، ترتفع كلفة الاستيراد على أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة مرتين: مرة بسبب ارتفاع السعر الأساسي، ومرة بسبب قوة الدولار نفسها. والنتيجة أن المواطن خارج الولايات المتحدة يدفع ثمن الحرب عبر فاتورة الوقود، ثم عبر فاتورة الغذاء، ثم عبر تكلفة السلع المستوردة والمواد الخام. هذا ليس توصيفًا بلاغيًا، بل آلية معروفة في الاقتصاد الدولي: التضخم الأمريكي أو الدولاري ينتقل إلى بقية العالم عبر التجارة والفواتير المقومة بالدولار.

وتبرز هنا الآلية الثانية: أسعار الفائدة. فحين تغذي الحرب التضخم، يصبح الاحتياطي الفيدرالي أقل قدرة على خفض الفائدة، وربما أكثر ميلًا إلى إبقائها مرتفعة مدة أطول. صندوق النقد كان قد حذر أصلًا، قبل هذه الحرب، من أن أي اضطرابات جديدة في السلع وسلاسل الإمداد، خصوصًا في الشرق الأوسط، قد تعقّد مسار “الهبوط الناعم” للاقتصاد العالمي، وأن جزءًا كبيرًا من تراجع التضخم السابق جاء من انخفاض أسعار الطاقة والسلع لا من اختفاء المخاطر. وإذا ثبت التضخم من جديد بفعل الحرب، فإن بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة يعني سحب السيولة العالمية نحو الدولار، وإجبار بنوك مركزية كثيرة على الإبقاء على فائدة مرتفعة دفاعًا عن عملاتها. هكذا تصبح الحرب الأمريكية عبئًا تمويليًا على بقية الاقتصادات، حتى لو لم تشارك فيها.

أما الآلية الثالثة فهي اختناق سلاسل الإمداد. صندوق النقد أشار بوضوح إلى أن التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع كلفة الشحن بين آسيا وأوروبا بعد اضطرابات البحر الأحمر أظهرت كيف يمكن لمسار ملاحي واحد أن يضغط على الاقتصاد العالمي. وإذا كان البحر الأحمر وحده قد رفع تكاليف النقل وهدد السلاسل، فإن هرمز أخطر بكثير لأنه يعتبر ممر رئيسي للطاقة والغاز والمواد الأولية في الوقت نفسه. وتؤكد دراسة لبنك دالاس أن زيادة تكاليف التجارة على المدخلات الوسيطة ترفع التضخم بحوالي 0.3 نقطة مئوية في البداية، لكن أثرها يكون أكثر استمرارًا من صدمات السلع النهائية، لأن المدخلات الأغلى ترفع التكاليف على طول سلسلة الإنتاج. بمعنى آخر: حين ترتفع كلفة الطاقة والشحن والتأمين معًا، لا يتضرر المستهلك النهائي فقط، بل تتضرر المصانع نفسها، وتصبح الضغوط التضخمية أكثر رسوخًا.

ومن هنا نفهم لماذا بات الحديث عن الركود التضخمي جديًا. فبيانات مسوح الأعمال التي نقلتها رويترز في 24 مارس 2026 أظهرت أن اقتصاد منطقة اليورو كاد يتوقف، مع هبوط مؤشر مديري المشتريات المركب إلى 50.5، بينما وصفت S&P Global الأرقام بأنها تدق “أجراس إنذار الركود التضخمي”. وفي الولايات المتحدة هبط مؤشر النشاط المركب إلى 51.4، وهو أدنى مستوى في 11 شهرًا، مع ارتفاع مؤشرات أسعار المدخلات والمخرجات وتراجع التوظيف الخاص لأول مرة منذ أكثر من عام. وفي بريطانيا كانت تكاليف مدخلات المصانع ترتفع بأسرع وتيرة منذ 1992، بينما تباطأت اليابان وبلغ نمو القطاع الخاص في الهند أدنى مستوى له في ثلاث سنوات. هذا بالضبط تعريف الركود التضخمي: نمو أضعف، وأسعار أعلى، وهوامش أضيق، وسياسة نقدية أكثر صعوبة.

اللافت أن الولايات المتحدة نفسها ليست محصنة. صحيح أنها تنتج كميات كبيرة من النفط، لكن الاقتصاد الأمريكي يبقى شديد الحساسية لسعر البنزين وثقة المستهلك. ووفق رويترز، فإن الحرب رفعت أسعار النفط بأكثر من 30%، وزادت متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو دولار واحد للجالون، بينما أشارت مؤشرات S&P Global إلى أن الشركات الأمريكية باتت تتحدث عن عودة التضخم نحو 4%. هذا مهم لأن الإنفاق الاستهلاكي هو محرك الاقتصاد الأمريكي الأكبر، وأي ضغط على الأسر ينعكس سريعًا على الطلب والنمو. وبالتالي فإن واشنطن قد تنجح في تمرير جزء من فاتورة الحرب إلى الخارج، لكنها لا تستطيع إلغاء الكلفة الداخلية بالكامل؛ هي فقط تجعل العالم يدفع معها.

أما أوروبا فتواجه المعضلة الأوضح: اقتصاد أبطأ، وطاقة أغلى، وصناعة أقل قدرة على المنافسة. بيانات فرنسا وألمانيا وإيطاليا هذا الأسبوع أظهرت خفضًا لتوقعات النمو وتراجعًا لثقة الأعمال بسبب الحرب وارتفاع أسعار الطاقة. وفي إيطاليا، حذّرت “كونفيندوستريا” من أن استمرار الحرب قد يخفض النمو إلى الصفر أو يدفع الاقتصاد إلى انكماش إذا امتد الصراع. أما آسيا فهي الطرف الأكثر تعرضًا للأضرار بالظر الى احتياجاتها من الطاقة: ويقدر بأن 83% من الغاز الطبيعي المسال العابر عبر مضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، كما تعتمد الهند على الاستيراد لنحو 90% من الخام ونحو نصف الغاز تقريبًا، وهو ما يفسر تباطؤ نشاطها وارتفاع تكاليفها سريعًا مع الأزمة.

ومن هنا، فان ابعاد الحرب الأمريكية على إيران ليست مجرد إنفاق عسكري إضافي على الموازنة الأمريكية، بل آلية لإعادة توزيع الخسائر عالميًا. الخزانة الأمريكية تقترض من نظام ما زال يثق بالدولار، وأسعار الطاقة المقومة بالدولار ترتفع على الجميع، والفيدرالي يُبقي كلفة المال مرتفعة على العالم كله، وسلاسل الإمداد تنقل الصدمة من الموانئ إلى المصانع إلى المستهلك النهائي. وهذا هو جوهر الامتياز الأمريكي: أن تتحول الحرب من عبء وطني خالص إلى عبء عالمي موزع.

لكن هذه الآلية ليست بلا حدود. فكل مرة تستخدم فيها واشنطن امتياز الدولار والعمق المالي الأمريكي لامتصاص صدمة جديدة، تُراكم في المقابل شكوكًا إضافية حول استدامة هذا الترتيب. وحتى الآن، لا توجد عملة قادرة على انتزاع الصدارة من الدولار في المدى المنظور، لكن استمرار الحروب الممولة بالدين، والصدمات التضخمية العابرة للحدود، واستخدام النظام المالي كسلاح، كلها عوامل تدفع مزيدًا من الدول إلى تنويع احتياطياتها ومدفوعاتها تدريجيًا. وهذا لا يعني نهاية وشيكة لهيمنة الدولار، لكنه يعني أن كل حرب جديدة تُموَّل بهذه الطريقة تحمل معها أيضًا كلفة سياسية ونقدية مؤجلة على النظام نفسه.

خاتمة

الخلاصة أن السؤال الصحيح ليس: هل يتحمل دافع الضرائب الأمريكي ثمن الحرب؟ بل: كم يدفع وحده، وكم يدفع العالم معه؟. نعم، المواطن الأمريكي سيتضرر عبر البنزين والتضخم والفائدة المرتفعة وتباطؤ النشاط. لكن الضرر لا يتوقف عنده. أوروبا ستدفع عبر الطاقة والصناعة، وآسيا عبر الغاز والنفط وسلاسل الإمداد، والأسواق الناشئة عبر الدولار القوي وتضخم كلفة الاستيراد وكلفة التمويل. وكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات انزلاق الاقتصاد العالمي إلى فخ الركود التضخمي: أسعار أعلى، نمو أضعف، وهوامش مناورة أضيق لدى البنوك المركزية والحكومات. بهذا المعنى، لا تُحسب فاتورة الحرب الأمريكية في واشنطن فقط؛ بل تُخصم من جيوب المستهلكين والمصانع والمزارعين والبنوك المركزية في العالم كله.

المراجع

  • مجلس الاحتياطي الفيدرالي: The International Role of the U.S. Dollar – 2025 Edition. .
  • صندوق النقد الدولي: Dollar Dominance in the International Reserve System: An Update. .
  • صندوق النقد الدولي: Global Economy Approaches Soft Landing, but Risks Remain، وWorld Economic Outlook Update (January 2024).
  • وزارة الخزانة الأمريكية Treasury International Capital (TIC) ، وبيانات كبار حائزي السندات الأمريكية.
  • مكتب الموازنة في الكونغرس الأمريكي: The Budget and Economic Outlook: 2026 to 2036. .
  • إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA: بيانات مضيق هرمز للنفط والغاز الطبيعي المسال.
  • البنك الدولي Commodity Markets Outlook – April 2025.
  • بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس Oil Price Shocks and Inflation، وTrade Costs and Inflation Dynamics. .
  • رويترز: تقارير 24–25 مارس 2026 عن تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي، وأسواق النفط، والنشاط الأمريكي والأوروبي.

About Us

Enjoy the power of entrepreneurs' platform offering comprehensive economic information on the Arab world and Switzerland, with databases on various economic issues, mainly Swiss-Arab trade statistics, a platform linking international entrepreneurs and decision makers. Become member and be part of international entrepreneurs' network, where business and pleasure meet.

 

 

Contact Us

Please contact us : 

Cogestra Laser SA

144, route du Mandement 

1242 Satigny - Geneva

Switzerland