المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية 2025 التجارة، الثقة والتحوّل في عصر الذكاء الاصطناعي

Admin SAE September 1, 2026

يُعد المنتدى العام أكبر فعالية لمنظمة التجارة العالمية لربط اصحاب القرار من القطاعين العام والخاص على مستوى العالم، ويعقد المنتدى هذا العام في ظل التطورات الاخيرة الهامة التي شهدها العالم مع فرض الولايات المتحدة الأمريكية، رسوما جمركية على غالبية دول العالم، بما فيها اوروبا والصين والدول النامية ونسب عالية جدا، وهو ما يلقي بتبعات كبيرة على التجارة الدولية.

هدف منتدى هذا العام، الذي نظم على مدار يومين، الى استكشاف دور التطورات الرقمية في اعادة تعريف نظام التجارة الدولية وتُعزيز التواصل والابتكار والتعاون على المستوى العالمي. حيث قيّم المشاركون المخاطر والفرص التي تُتيحها مجموعة مُتطورة من الأدوات الرقمية التي تهدف إلى تمكين الشركات الصغيرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق، والحفاظ على بيئة تجارية رقمية أكثر متانة. تم تقليص عدد الجلسات بشكل طفيف مقارنةً بالسنوات السابقة لضمان فعالية مُبسطة تُركز على بعض القضايا الرئيسية التي تُواجه التجارة العالمية. بلغ عدد المتحدثين أكثر من 350 مُتحدثًا، تركزت الكلمات حول كيفية تسخير القوى التحويلية للتجارة الرقمية. انطلق اليوم الأول من المنتدى العام بحلقة نقاش نُظمت بالشراكة مع معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (PIIE)، لاستكشاف كيفية تعامل قادة الأعمال حول العالم مع نظام التجارة العالمي الحالي، حيث تُختبر الثقة والقدرة على التنبؤ والتعاون بشكل متزايد.

لقد ركز منتدى 2025 على كيفية إعادة تعريف التجارة من خلال التحول الرقمي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يبشر بتبسيط سلاسل التوريد، وخفض تكاليف التجارة، وتوسيع الوصول إلى الأسواق، فقد أكد المنتدى مراراً أن مكاسبه لن تتحقق تلقائياً. سد الفجوات الرقمية، وضمان المنافسة العادلة، وحماية الوظائف، واستعادة الثقة بالتعددية هي ركائز لا بد منها لتحقيق نمو شامل.

وقد دارت النقاشات حول ثلاثية مترابطة: الثقة، القدرة على التنبؤ، والتحوّل. تضمن المنتدى جلسات عدة أهمها تلك التي تناولت إمكانات إفريقيا التجارية، واتفاقيات الاقتصاد الرقمي، والتكاليف الاجتماعية للنزاعات التجارية، وشدّد المشاركون على التحدي الأساسي: كيف يمكن للنظام التجاري العالمي أن يتكيف مع واقع القرن الحادي والعشرين، من دون أن يفقد شمولية التنمية؟

 

الجلسة الافتتاحية

نظام منحني وليس مكسوراً

شهد صباح اليوم الأول الجلسة الافتتاحية للمنتدى التي تم تنظيمها بالشراكة مع معهد بيترسون، كانت الموضوعات الرئيسية المطروحة خلال الجلسة مسألة الثقة والقدرة على التنبؤ. وقد أكدت المديرة العامة، نجوزي أوكونجو-إيويالا، أن نحو 72% من السلع العالمية ما زالت تُتداول وفقاً لقواعد المنظمة، وهو تذكير بأن النواة المتعددة الأطراف لا تزال تقوم بالجزء الأكبر من عبء التجارة. لكن تتعرض التجارة حاليا الى ضغوطات كبيرة، حيث أن الحكومات تلجأ إلى أجراءات أحادية، والشركات تواجه مخاطر سياسية لا يمكنها مواجهتها بسهولة، والمستهلكون يلاحظون بأن الجغرافيا السياسية باتت جزءاً من مشترياتهم اليومية.

ان المشاركين في الندوة وقادة الأعمال كانوا واضحين بشأن تكلفة غياب القدرة على التنبؤ. حيث وصفت سينثيا سانفيليبو من "لوريال" السلسلة السببية ببساطة: ان القواعد المتوقعة تقلل الاحتكاك؛ حيث أن تقليل الاحتكاك يعزز التجارة؛ وهو ما يعزز النمو والازدهار. أما إعادة كتابة القواعد فجأة، فتُفكك أنظمة معقدة من الموردين والمهارات والوظائف في أيام قليلة.

أما روزاريو نافارو بيتلي من اتحاد الصناعات التشيلية فقالت بأن نصف الناتج المحلي الإجمالي لبلادها يعتمد على التجارة: "لا يوجد خطة بديلة. النظام المتعدد الأطراف ليس ترفاً، بل هو نظام دعم حياة".

كما أوضح يوجي سايتو من شركة "ميتسوبيشي" اليابانية، أن أي قيد تصدير مفاجئ يمكن أن يكون له ارتدادات عبر سلاسل التوريد، فيؤخر التوريد، ويُعطّل الإنتاج، ويثقل كاهل الموردين الصغار. من جهة أخرى، تعرض فيليب فاران من غرفة التجارة الدولية الى التبعات على المستوى الكلي وما يترتب على ذلك من زيادة التكاليف، خصوصاً على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وما لهذا من أثر على تآكل هوامش الأرباح للشركات، وبالتالي فإن المصدّرين ستوقفون ببساطة عن النشاط.

بالنظر الى المناقشات في هذه الجلسة فان الرسالة الجماعية كانت واضحة: يجب أن تعيد الإصلاحات المصداقية والمرونة إلى نظام يحدد استراتيجيات الشركات ويؤثر مباشرة في سبل عيش الأسر. كان المزاج ليس تشاؤمياً بالقدر الذي دعى فيه المشاركون الى إيجاد حلول عاجلة. لم يطالب أحد بعالم مثالي لا يوجد فيه احتكاك بين الأطراف المختلفة في التجارة، ولكن المطلوب دوماً لازدهار التجارة العالمية هو قواعد موثوقة وشفافية حقيقية وآليات مرنة تواكب التكنولوجيا ولا تنهار تحت الضغط السياسي.

كما تلا هذه الجلسة إطلاق تقرير التجارة العالمية 2025، وهو العنوان الأهم لليوم الأول.

 

إطلاق تقرير التجارة العالمية 2025: الذكاء الاصطناعي يلتقي التجارة – وعود مشروطة

كان إطلاق تقرير التجارة العالمية 2025 من أبرز محطات المنتدى. وقد جاءت توقعاته لافتة: إذ خلص إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع التجارة عبر الحدود بنسبة تصل إلى 37% ويزيد الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 12–13% بحلول عام 2040، شرط أن تتوافر البنية التحتية والانفتاح والتعاون الدولي. ولن تقتصر المكاسب على الخدمات الرقمية فقط، بل ستمتد إلى التجارة بالسلع الملموسة أيضاً، حيث يُسهم الذكاء الاصطناعي في تبسيط الإجراءات الجمركية وسلاسل الإمداد والامتثال للوائح المعول بها.

ومع ذلك، يحذّر التقرير من أنّ غياب السياسات المناسبة سيحوّل الذكاء الاصطناعي إلى عامل يوسع الفجوات بين فئات المجتمع وبين الدول. فالوصول إلى الإنترنت وجودة النطاق العريض والمهارات الرقمية ما تزال متفاوتة بشدة. ففي سيناريو "التباعد التكنولوجي"، قد تستحوذ الاقتصادات الغنية على معظم الفوائد، بينما تتخلف الاقتصادات منخفضة الدخل. وعلى العكس، فإن تضييق الفجوة الرقمية قد يؤدي تقريبا الى مضاعفة مكاسب الدول الأكثر فقرا.

أما الاثار على سوق العمل فجاءت مقلقة بالقدر نفسه. ورغم أن الأجور الحقيقية يُتوقع أن ترتفع، فإن التحولات الاقتصادية ستكون مضطربة. وقد حذرت المديرة العامة من تكرار أخطاء الماضي المتمثلة في ضعف الاستثمار في إعادة التدريب وشبكات الأمان الاجتماعي، وهو ما غذّى ردود الفعل ضد العولمة في موجاتها السابقة.

وقد انعقدت الجلسة برئاسة المديرة العامة نجوزي أوكونجو-إيويالا، وبمشاركة نائبة المدير العام جوهانا هيل، والخبير الاقتصادي في منظمة التجارة مارك باتشيتا، إلى جانب لجنة من الخبراء البارزين، لمناقشة آثار الذكاء الاصطناعي على التجارة والنمو.

وفي كلمتها الافتتاحية، صرّحت أوكونجو-إيويالا بوضوح: إن النظام التجاري العالمي يمر بأسوأ اضطراباته منذ ثمانية عقود، لكن الذكاء الاصطناعي قد يشكل إحدى النقاط المضيئة القليلة، إذا ما أحسنت الاقتصادات اغتنام هذه الفرصة. وأوضحت أن التقرير يُظهر أن الذكاء الاصطناعي "تكنولوجيا عامة الغرض" على قدم المساواة مع الكهرباء أو الإنترنت، وأنه بدأ بالفعل في تغيير كيفية إنتاج السلع والخدمات وتبادلها واستهلاكها. ويبقى السؤال: هل سيكون الذكاء الاصطناعي قوة للتقارب الاقتصادي أم عاملاً يزيد من الانقسامات داخل البلدان وفيما بينها؟

ووفقا لنتائج سيناريوهات محاكاة استخدمها التقرير، يشير التقرير إلى أنه بحلول عام 2040 قد يكون حجم التجارة عبر الحدود أعلى بنسبة 34–37% مقارنة بالمستوى الحالي، فيما يعرفه المؤلفون بتأثير "40 بحلول 40": أي نحو 40% تجارة إضافية في غضون 15 عاماً. أما الناتج المحلي الإجمالي العالمي فقد يرتفع بنسبة 12–13%. وستكون أكبر المكاسب في الخدمات القابلة للتسليم رقمياً، مثل الحوسبة السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي والتشخيص والتحليلات عن بُعد. ومع ذلك، فإن المكاسب لا تقتصر على البرمجيات. فالذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في خفض تكاليف الامتثال للقوانين واللوائح التنظيمية، وأتمتة التخليص الجمركي، وتحسين مسارات الشحن، وتجاوز حواجز اللغة، وحتى تعزيز إنفاذ العقود. وهذه كلها احتكاكات طالما خنقت التجارة عبر الحدود، وتخفيفها يجلب مكاسب ملموسة.

لكن رسالة التقرير كانت واضحة: الشمولية لن تتحقق تلقائياً. ففي حين أن انتشار الإنترنت شبه كامل في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، ما يزال الوصول إليه محدوداً في الاقتصادات الأشد فقراً. وكذلك الأمر بالنسبة لسرعة الإنترنت وتكلفته والمهارات الرقمية. وحتى الاستعداد السياسي يظهر فجوة واضحة: فثلثا الاقتصادات المتقدمة تبنّت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، بينما لم تفعل ذلك سوى قلة من الدول منخفضة الدخل.

وقد اختبر خبراء المنظمة السيناريوهات المختلفة. ففي عالم "التباعد التكنولوجي"، حيث تفشل الاقتصادات الفقيرة في اللحاق بركب البنية التحتية والتبني الرقمي، سترتفع الدخول بحلول 2040 بنسبة 14% في الاقتصادات الغنية، و11% في متوسطة الدخل، في حن أنها سترتفع بنسبة 8% فقط في الدول منخفضة الدخل. أما في سيناريو "اللحاق بالسياسات"، حيث تضيق الفجوة الرقمية ويزداد الانتشار، فإن مكاسب الاقتصادات منخفضة الدخل تقفز تقريباً إلى الضعف (15%)، وترتفع اقتصادات الدخل المتوسط إلى 14%، من دون تقليص نمو الدول الغنية. خلاصة القول: توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي ليس قدراً تقنياً، بل خيار سياسي.

أما أسواق العمل فظهرت كنقطة ضغط إضافية. فعلى المستوى العالمي، تظهر النماذج أن الأجور الحقيقية سترتفع عبر جميع مستويات المهارات، لكن "علاوة المهارة" - أي ميزة الأجور للمؤهلين تعليماً عالياً - تتقلص قليلاً بنسبة 3-4%. فالذكاء الاصطناعي يستبدل في الواقع بالمهام الروتينية وحتى بعض المهام المتقدمة أكثر مما يفعل بالمهام منخفضة المهارة وغير الروتينية، ما قد يساعد في تخفيف حدة عدم المساواة. لكن الانتقال لن يكون سلساً. وكما حذرت أوكونجو-إيويالا، فإن الكثير من رد الفعل السلبي على التجارة اليوم يرجع إلى فشل الاستثمار في التعليم وإعادة التدريب وشبكات الأمان خلال موجات العولمة السابقة. "لا يمكننا أن نكرر هذا الخطأ مع الذكاء الاصطناعي."

وقد عكست اللجنة المرافقة للتقرير هذه الرسائل. شدد رالف أوسا على أن الحكومات ما تزال تملك أدوات: خفض الحواجز على السلع والخدمات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تسهيل تدفق البيانات، ودعم التجارة المفتوحة. وأشار هوا وانغ إلى أن الشركات الصغيرة - من مربي النحل في نييوي إلى الحرفيين في إفريقيا - تستخدم بالفعل الذكاء الاصطناعي لدخول الأسواق العالمية. فيما قدّم توماس لاماناوسكاس من الاتحاد الدولي للاتصالات تذكيراً صارخاً: إفريقيا تضم 20% من سكان العالم لكنها لا تحتضن سوى 2% من مراكز البيانات. وأضاف بأن ردم هذه الفجوة يتطلب استثمارات على نطاق يتجاوز قدرة أي جهة منفردة. أما أمانديب سينغ غيل، مبعوث الأمم المتحدة للتكنولوجيا، فقد دعا إلى اعتبار حوكمة الذكاء الاصطناعي منفعة عامة عالمية، بحيث تكون السياسة التجارية ركيزة للتعاون بدلاً من أن تكون وسيلة للتفرق.

هكذا جاء تقرير التجارة العالمية 2025 ليس كمنشور سنوي لامع، بل كتحذير استراتيجي: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون المحرك الكبير التالي للتجارة والنمو الشامل - لكن فقط إذا استثمرت الحكومات في البنية التحتية والتعليم وأطر بناء الثقة. أما إذا تُرك دون توجيه، فسيصبح أداة أخرى لتقسيم نظام عالمي يعاني أصلاً من التشظي.

 

قاعدة الإمداد لاقتصاد الذكاء الاصطناعي

التجارة ليست مجرد قناة للمكاسب؛ إنها الجهاز الدوري لاقتصاد الذكاء الاصطناعي نفسه. ففي عام 2023، بلغت قيمة التجارة العالمية من السلع المُمكِّنة للذكاء الاصطناعي 2.3 تريليون دولار أمريكي: معادن حرجة، وأشباه موصلات، وأدوات حوسبة عالية الأداء، ومجموعة واسعة من المدخلات الوسيطة. أضف إلى ذلك الخدمات المتداولة - مثل القدرة السحابية، وتدريب النماذج، وترميز البيانات - لتكتمل الصورة: الأسواق المفتوحة تخفض التكاليف وتوزع القدرات، أما الأسواق المجزأة فترفع التكاليف وتركّزها.

وبعض مظاهر التجزئة باتت واضحة. فقد ارتفع عدد القيود الكمية على السلع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من نحو 130 في عام 2012 إلى ما يقارب 500 في عام 2024، مدفوعة أساساً بالاقتصادات المرتفعة والمتوسطة العليا من الدخل. كما أن الرسوم الجمركية المقيّدة في بعض الاقتصادات منخفضة الدخل لا تزال تصل إلى 45% على الأجهزة ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي. أما القيود على تدفقات البيانات عبر الحدود وتزايد ضوابط التصدير فتعوق الانتشار أكثر. ثمة أسباب أمنية وخصوصية ومنافسة وراء كثير من هذه الإجراءات. لكن الرسالة، كما يؤكد التقرير، هي أن التوازن ضروري: فالتعاون والتوافق بين الأنظمة يمكن أن يديرا المخاطر من دون خنق الابتكار.

 

ردم الفجوات الرقمية من خلال الحلول المحلية

سلّطت جلسة "ردم الفجوات الرقمية عبر الحلول المحلية" الضوء على كيفية قيام الفاعلين على مستوى القاعدة الشعبية بإعادة تشكيل المشهد الرقمي عبر ابتكار حلول شاملة يقودها المجتمع. ففي حين تركز النقاشات العالمية حول التجارة الرقمية غالباً على السياسات العليا واستراتيجيات الشركات والأطر التنظيمية، أكدت الجلسة على الدور الحيوي للمبتكرين في الميدان - بدءاً من المشاريع التي يقودها الشباب ورائدات الأعمال وصولاً إلى المجتمعات الأصلية والتعاونيات - في سد الفجوات الرقمية.

أدارت النقاش تيان وي، مقدمة البرامج في شبكة التلفزيون العالمية الصينية (CGTN)، حيث جمعت الجلسة أصواتاً من دول وقطاعات متنوعة، عرض فيها المشاركون كيف يمكن للابتكار المحلي أن يعزز مشاركة أكثر عدلاً في الاقتصاد الرقمي.

 

الابتكار القاعدي وتمكين المجتمعات

كما شدّدت ميليسا كاريوقي، المؤسسة والمديرة التنفيذية لشركة "ويب ميوزيك أفريقيا"، على أن الأدوات الرقمية تفتح فرصاً جديدة أمام المبدعين الأفارقة الشباب لعرض مواهبهم وتحقيق الدخل منها عالمياً. وأشارت إلى التحديات التي تواجه الفنانين، خصوصاً النساء، في الوصول إلى منصات عادلة. وقالت: "يجب أن تبدأ الحلول المحلية بالثقة وإتاحة الوصول"، مؤكدة على ضرورة إنشاء بنى تحتية شاملة تعكس واقع المجتمعات.

فيما عرض جاستن لانغان المؤسس والمدير التنفيذي لمنظمة "أوكاناتا" في كندا، خبرات المجتمعات الأصلية، مبرزاً كيف يمكن للمنصات الرقمية أن تمكّن الشباب في المجتمعات المحلية من سرد قصصهم الخاصة، والحفاظ على تراثهم الثقافي، والتفاعل مع الجماهير العالمية بشروط عادلة. وأكد لانغان أن ردم الفجوات لا يتعلق فقط بالاتصال، بل أيضاً بالاعتراف الثقافي والسيادة الرقمية.

 

بناء أسواق شاملة

أوضح دانيلو ميرندا دي لا إسبرييلا المدير التنفيذي لشركة "بلومز بال" من أميركا اللاتينية، كيف يمكن للأسواق الرقمية أن تقوي المنتجين الزراعيين الصغار. فمن خلال ربط المزارعين مباشرة بالمستهلكين عبر المنصات الرقمية، تدعم مبادرته شروطاً أكثر عدلاً للتجارة وتمنح المجتمعات الريفية قدرة أكبر على الصمود.

أما أجايتا شاه، المؤسسة والمديرة التنفيذية لشركة "فرونتير ماركتس" من جنوب آسيا، فقد أبرزت دور رائدات الأعمال في توسيع نطاق الخدمات الرقمية إلى الأسر الريفية المحرومة. وأوضحت كيف أدى تدريب النساء المحليات وتمكينهن كـ"وكلاء مجتمعيين" إلى إنشاء شبكات ثقة توسع الوصول إلى الأدوات الرقمية وتوفر في الوقت نفسه سبل عيش جديدة.

 

تأملات ختامية

في كلمته الختامية، شدّد الدكتور برايت أوكوغو، مدير ديوان منظمة التجارة العالمية، على أهمية تجاوز الأطر السياسية والاعتراف بعمل المبتكرين المحليين وتعزيزه. وأكد أن التجارة الرقمية المستدامة يجب أن تضع الشمولية والعدالة والملكية المحلية في صميمها، مذكّراً المشاركين بأن مستقبل العولمة الرقمية يعتمد على حلول متاحة للجميع.

 

المرونة الرقمية للاقتصادات الصغيرة

سلّطت جلسة "المرونة الرقمية للاقتصادات الصغيرة" الضوء على التحديات والفرص التي تواجه الاقتصادات الصغيرة والهشة (SVEs) في خضم الحقبة الرقمية. فرغم ما تواجهه هذه الاقتصادات من حواجز هيكلية مزمنة في التجارة العالمية، أكدت المناقشات أن التحول الرقمي والتجارة الإلكترونية قد يفتحان مسارات جديدة لتعزيز القدرة التنافسية، وتنويع الصادرات، وبناء تكيف اقتصادي طويل الأمد.

أدار الجلسة ماثيو ويلسون، سفير بربادوس لدى منظمة التجارة العالمية، وجمعت آراء من الكاريبي والمحيط الهادئ والأوساط الأكاديمية، عاكسة تجارب مشتركة ومقاربات إقليمية مميزة.

 

تسخير الأدوات الرقمية لتعزيز الصمود التجاري

أشار السفير ريتشارد براون من جامايكا إلى أن الاقتصادات الصغيرة تواجه تحديين مزدوجين: هشاشة جغرافية وموارد محدودة. لكنه شدّد على أن التجارة الرقمية تمثل "فرصة تاريخية لتجاوز حدود الحجم والمسافة". وأكد على أهمية البنية التحتية الموثوقة وإمكانية الاتصال بأسعار ميسورة، مؤكدا على أنه من دون هذه الأسس تبقى المشاركة الرقمية مجرد طموح أكثر من كونها واقعاً عملياً.

من جانبها، أكدت السفيرة ميرواليسي فاليماكا من منتدى جزر المحيط الهادئ على الطابع الملح للاستراتيجيات الرقمية في الدول الجزرية، حيث يتقاطع البعد الجغرافي مع مخاطر المناخ. وأشارت إلى أن التعاون الإقليمي ضروري لإيجاد مرونة، لا سيما في مجالات جمع البيانات، والأمن السيبراني، والأطر التنظيمية. وقالت: "لا يمكن أن تُترك مجتمعاتنا خلف الركب في الاقتصاد الرقمي"، داعية إلى شراكات أوثق مع المؤسسات الدولية.

 

ردم الفجوات عبر بناء القدرات

من منظور أكاديمي وتجاري، شددت آنا ماريا غاياردو من جامعة إيكوتيك (ECOTEC) على أهمية التعليم وتنمية المهارات. وأوضحت أن تعزيز الثقافة الرقمية لدى الشباب ورواد الأعمال يمكن أن يمكّن الاقتصادات الصغيرة والهشة من الابتكار والاندماج بشكل أكثر فعالية في سلاسل القيمة العالمية. وأكدت أن السياسات الشاملة يجب أن تضمن دعم الفئات المهمشة والنساء بشكل متساوٍ في عملية الانتقال الرقمي.

أما كيم كامبل، مستشارة التجارة في مكتب الدول الصغيرة بالكومنولث، فقد تناولت البعد السياسي، مشيرة إلى أن الأطر الدولية ينبغي أن تأخذ في الحسبان هشاشة الاقتصادات الصغيرة، وأن اعتماد "نهج موحد يصلح للجميع" قد يستثني هذه الاقتصادات من المشاركة الفاعلة. ودعت إلى تعاون متعدد الأطراف يوازن بين المعايير العالمية والحاجات المحلية، بما يضمن شمولية القواعد المتعلقة بحوكمة البيانات والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.

 

نحو تجارة رقمية شاملة

في المداخلات الختامية، اتفق المتحدثون على أن مرونة الاقتصادات الصغيرة والهشة لا يعتمد فقط على تبني التكنولوجيا، بل على دمج الحلول الرقمية بطريقة تدعم الأهداف التنموية طويلة الأجل. وقد برزت ثلاثة أولويات مشتركة: بناء البنية التحتية، الاستثمار في رأس المال البشري، وصياغة قواعد رقمية عادلة.

أكدت الجلسة أن الاقتصادات الصغيرة، رغم التحديات الضخمة التي تواجهها، تملك أيضاً إمكانات غير مستغلة في الفضاء الرقمي. ومع الدعم المستهدف والأطر الشاملة، يمكن للتحول الرقمي أن يصبح محركاً للتكيف والعدالة والنمو المستدام لهذه الاقتصادات.

 

إمكانات التجارة في إفريقيا: فتح الفرص الإقليمية

كما هو الحال في كل عام، حضرت إفريقيا بقوة في جلسات المنتدى، حيث خصصت جلسة تحت عنوان "تقرير التنمية الاقتصادية في إفريقيا 2024: إطلاق إمكانات التجارة الإفريقية" للأنكاد للوقوف على أبرز نتائج التقرير وما تحمله من دلالات لإعادة صياغة دور إفريقيا في التجارة العالمية.

ركزت المناقشات على ما تواجهه الاقتصادات الإفريقية من هشاشة ناجمة عن الاعتماد المفرط على السلع الأولية والتعرض للصدمات الخارجية، كما تم التعرض الى الفرص المتاحة لتعزيز المرونة الاقتصادية من خلال تكامل إقليمي أعمق، وبنية تحتية أكثر ذكاءً، واستراتيجيات أقوى على مستوى المؤسسات.

أدارت الجلسة حبيبة بن بركة، رئيسة قسم إفريقيا في الأونكتاد، مؤكدة أنه رغم أن إفريقيا تمثل نحو 16% من سكان العالم، إلا أن حصتها من التجارة العالمية لا تتجاوز 3%. هذا الفارق يعكس قيوداً هيكلية عميقة، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى إمكانات ضخمة يمكن استغلالها عبر استراتيجيات إقليمية فعالة.

 

تقليل المخاطر في المشهد التجاري الإفريقي

شددت السفيرة فانسي تشيبكيموي تو من كينيا على أن الاقتصادات الإفريقية لا تزال شديدة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية، بدءاً من تقلب أسعار السلع الأساسية إلى اضطرابات سلاسل الإمداد. وأكدت أن "تقليل المخاطر في التجارة الإفريقية يعني بناء هوامش أمان على المستويين الكلي والجزئي"، بما يشمل الإصلاحات المالية، والإدارة المستدامة للديون، والاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية.

أبرز التقرير أن أكثر من نصف الدول الإفريقية تستمد أكثر من 60% من عائدات صادراتها من النفط أو الغاز أو المعادن. هذا الاعتماد الضيق جعل الاقتصادات مكشوفة أمام تقلبات الأسواق وتكاليف الشحن التي ما تزال أعلى بنسبة 100% مما كانت عليه قبل الجائحة. ومن هنا، برز تنويع الصادرات والشركاء التجاريين كأداة رئيسية لتعزيز المرونة الاقتصادية.

 

التكامل الإقليمي كمحرّك للنمو

أكد البروفيسور ويم نوديه من جامعة آخن التقنية (RWTH Aachen) أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) تشكل آلية مركزية لتقليل الاعتماد الخارجي. وأوضح أن "التجارة البينية الإفريقية، لا سيما في السلع المصنعة ونصف المصنعة، أكثر تنوعاً وأقدر على الصمود من صادرات إفريقيا إلى الأسواق العالمية". وأكد أن بناء سلاسل قيمة إقليمية قد يوفر استقراراً في مواجهة الأزمات العالمية ويحفّز النمو الصناعي.

وتدعم نتائج التقرير هذا الطرح، حيث تُظهر النتائج بأن 16 فقط من أصل 54 دولة إفريقية تستورد أكثر من 0.5% من مدخلاتها الوسيطة من داخل القارة. وتعزيز هذه السلاسل يمكن أن يوزع المخاطر ويقلل الاعتماد على عدد محدود من الشركاء العالميين كالصين أو الهند أو الاتحاد الأوروبي.

 

استراتيجيات على مستوى المؤسسات وتعزيز المرونة الاقتصادية

انتقلت الجلسة أيضاً إلى مستوى الشركات الإفريقية، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) التي تواجه عقبات مثل ضعف الوصول إلى التمويل، وعدم اليقين التنظيمي، وتقلبات العملات. ومع ذلك، فهي تمثل العمود الفقري للتنافسية التجارية المستقبلية لإفريقيا.

شدد المتحدثون على حاجة هذه الشركات إلى تبني أدوات إدارة المخاطر، من أدوات مالية مثل التحوط، إلى استراتيجيات تشغيلية مثل تنويع سلاسل الإمداد. وأشار التقرير إلى أن 32% من الشركات الإفريقية التي شملها الاستطلاع تعتبر الوصول إلى التمويل العائق الأساسي أمام النمو. ومن ثم، فإن توسيع نطاق التمويل الميسور وإنشاء آليات إقليمية لتقاسم المخاطر يمكن أن يمنح هذه الشركات القدرة على الصمود أمام الاضطرابات العالمية.

 

مسارات السياسات المستقبلية

اختتمت الجلسة بكلمة حبيبة بن بركة التي شددت على أن إمكانات إفريقيا التجارية لا يمكن تحقيقها من خلال مقاربات مجزأة. بل إن السياسات المنسقة - على المستويات الوطنية والإقليمية والقارية - ضرورية لربط تطوير البنية التحتية، والإصلاحات التنظيمية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع الأهداف الأوسع لاتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

في الختام يقدم التقرير توصيات تشمل:

  • تنويع الاقتصادات بعيداً عن الاعتماد على السلع الأولية.
  • تعزيز البنية التحتية في مجالات النقل والطاقة والرقمنة.
  • إنشاء آليات إقليمية لإدارة المخاطر التجارية.
  • تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على اعتماد إدارة المخاطر ومواءمة استراتيجياتها مع التزامات منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

 

من الهشاشة إلى المرونة والتأقلم

أكدت الجلسة أن مستقبل إفريقيا في التجارة العالمية لا يكمن فقط في مواجهة الصدمات، بل في إعادة تشكيل شبكات تجارية جديدة أكثر صلابة. وبفضل الكفاءات الشبابية، وقاعدتها الغنية بالموارد، والزخم المتنامي للتكامل الإقليمي، فإن القارة الافريقية تملك إمكانات هائلة. لكن إطلاق هذه الإمكانات يتطلب استثمارات جريئة، وسياسات تعاونية، وانتقالاً استراتيجياً من الهشاشة إلى الصمود.

 

اتفاقيات الاقتصاد الرقمي من أجل مستقبل مترابط

ناقشت جلسة "اتفاقيات الاقتصاد الرقمي من أجل مستقبل مترابط"، كيف تعيد الحكومات والمؤسسات رسم قواعد التجارة الرقمية في عالم سريع التطور ومتشرذم. وأبرزت الجلسة أن اتفاقيات الاقتصاد الرقمي[1] تمثل فئة جديدة من الاتفاقيات التجارية - تتسم بالمرونة، والتدرج، والشمولية - وتهدف إلى تحقيق التوازن بين الانفتاح وحماية المصلحة العامة.

ترأس الجلسة براميلا كريفيلّي، الخبيرة الاقتصادية في البنك الآسيوي للتنمية، مركّزة على الحاجة الملحّة لمواءمة الأطر التنظيمية مع التطورات التكنولوجية، مع ضمان عدم ترك الاقتصادات النامية على الهامش.

 

التكيّف مع مشهد رقمي متشرذم

أوضح مارتن تشورزيمبا، الباحث في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، البعد الجيوسياسي للتجارة الرقمية، مشيراً إلى أن تجزئة نظم حوكمة البيانات - الناتجة عن تباين السياسات الوطنية في الخصوصية والأمن السيبراني والضرائب - تهدد بتعميق الانقسامات في الاقتصاد العالمي. وقال: "نحتاج إلى هياكل تقلّص النزاعات التنظيمية وتبني الثقة بين الولايات القضائية"، مؤكداً أن اتفاقيات الاقتصاد الرقمي يمكن أن تكون مختبرات لتجريب نماذج حوكمة مبتكرة.

أما هنري جاو، أستاذ القانون في جامعة سنغافورة للإدارة، فقد ركّز على الأسس القانونية لهذه الاتفاقيات. وأوضح أن طبيعة هذه الاتفاقيات يسمح للدول باعتماد التزامات تدريجية، تتماشى مع أولوياتها الوطنية، مع الحفاظ على قابلية تطبيقها بشكل بيني. ورأى أن هذه المرونة تجعل اتفاقيات الاقتصاد الرقمي ذات قيمة خاصة للاقتصادات النامية، لأنها تقلل من حواجز الدخول وتفتح مسارات للتكامل الأعمق.

 

فرص شاملة للاقتصادات النامية

من جهة أخرى، أكد جويونغ كواك، أستاذ التجارة الدولية في جامعة يونسي، على الفرص الاقتصادية التي تتيحها هذه الاتفاقيات أمام الاقتصادات الصغيرة والنامية. إذ من خلال التركيز على قضايا عملية مثل تدفقات البيانات عبر الحدود، والمدفوعات الإلكترونية، والضرائب الرقمية، يمكن لاتفاقيات الاقتصاد الرقمي مساعدة الشركات على دخول الأسواق العالمية مع مراعاة مخاوف السياسات المتعلقة بالعدالة والسيادة. وقال: "إن طبيعة هذه الاتفاقيات تخلق جسراً بين الاقتصادات الرقمية المتقدمة وتلك التي لا تزال تبني قدراتها".

اتفق أعضاء الجلسة على أن هذه الاتفاقيات ليست عصاً سحرية، لكنها تمثل مقاربة واقعية في وقت تواجه فيه المفاوضات متعددة الأطراف صعوبة في تحقيق التوافق. ومن خلال بناء الثقة، وضمان الشمولية، وإتاحة مساحة للسياسات الوطنية، يمكن لاتفاقيات الاقتصاد الرقمي أن تكمل النقاشات الجارية في منظمة التجارة العالمية بشأن التجارة الرقمية، وتيسير التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد.

 

رسم مستقبل منسجم

في ختام الجلسة، شددت كريفيلّي على أن قوة هذه الاتفاقيات تكمن في قدرتها على الجمع بين الهيكلية والمرونة: فهي توفر أدوات فورية للتعاون، مع ترك مساحة للتكيف مع تطور التقنيات وتغير الأولويات العامة.

واستقرّت الخلاصة على أن اتفاقيات الاقتصاد الرقمي، إذا صُممت بشكل شامل، يمكن أن تقلل من التشرذم على المستوى العالمي، وتمكّن الاقتصادات النامية، وتسهم في بناء نظام تجاري أكثر انسجاماً وعدلاً في العصر الرقمي.

 

السياسة التجارية الأمريكية وتأثيرها على التنظيم الرقمي العالمي

تناولت جلسة "السياسة التجارية الأمريكية وتأثيرها على التنظيم الرقمي العالمي" الكيفية التي تعيد بها الاستراتيجيات التجارية المتغيرة للولايات المتحدة تشكيل النقاش العالمي حول قواعد الاقتصاد الرقمي. وقد بحث المتحدثون في تقاطع سعي واشنطن للحد من التدخلات التنظيمية الأجنبية على شركات التكنولوجيا الأمريكية مع جهود بلدان أخرى لبناء اقتصادات رقمية أكثر عدلاً وتنافسية وشمولية.

أدار النقاش ريشاب بيلي، مدير الأبحاث في منظمة Public Citizen، جامعاً وجهات نظر من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية حول التداعيات الأوسع للسياسات الرقمية التجارية الأمريكية.

 

موازنة قوة الشركات مع المصلحة العامة

أشارت لين بويلان، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب شين فين، إلى النهج الحذر الذي تتبعه أوروبا في التجارة الرقمية. وشدّدت على أن حماية المستهلكين، وصون الخصوصية، وضمان المنافسة العادلة يجب أن تبقى محورية في أي اتفاق. وقالت بويلان: "لا يمكن السماح لقواعد التجارة أن تقوّض التنظيمات المرتبطة بالمصلحة العامة"، محذرة من أن الاحتكار الرقمي غير المقيد قد يخنق الابتكار المحلي ويقوّض الرقابة الديمقراطية.

أما أبهيجيت داس، رئيس مركز دراسات منظمة التجارة العالمية في المعهد الهندي للتجارة الخارجية، فقد أكد على ضرورة أن توازن الدول النامية بحذر بين فوائد ومخاطر الالتزامات في التجارة الرقمية. وأوضح أن الوصول إلى الأسواق الأمريكية أمر مهم، لكن التحرير المبكر والمفرط قد يحد من قدرة "السياسات الاقتصادية" للدول. وأضاف: "الاقتصاد الرقمي لا يزال في مراحله الأولى في أجزاء كثيرة من العالم، وإقحام قواعد مقيّدة الآن قد يحرم الدول من القدرة على رسم مستقبلها بنفسها."

 

منظور الجنوب العالمي: العدالة في الميزان

شملت مداخلة سانيا ريد سميث من شبكة العالم الثالث، التي عبرت عن وجهة نظر المجتمع المدني والدول النامية، انتقادا لبنود في الاتفاقيات المدعومة أمريكياً التي تقيّد توطين البيانات وتفرض حرية تدفقات البيانات عبر الحدود. ورأت أن هذه البنود تفيد الشركات الأمريكية بشكل غير متكافئ، بينما تحد من قدرة الحكومات على تنظيم الأسواق بما يخدم المصلحة العامة. وأصرت ريد سميث على أن قواعد التجارة الرقمية يجب أن تتيح مجالاً لاستراتيجيات وطنية تحمي الشركات الصغيرة والمستهلكين.

بدورها، شاركت صوفيا سكايسيرا، الباحثة المشاركة في المعهد عبر الوطني، نفس المخاوف، مشيرة إلى أن اختلال موازين القوى في التفاوض يهدد بترسيخ اللامساواة في الاقتصاد الرقمي. وأكدت أن العديد من اقتصادات أمريكا اللاتينية لا تزال في طور بناء بنيتها التحتية الرقمية وأطرها التنظيمية. وقالت: "من دون القدرة على تصميم سياسات تتناسب مع الواقع المحلي، ستخاطر الدول النامية بأن تصبح مجرد متلقية للقواعد في العصر الرقمي."

 

نحو حوكمة أكثر شمولاً للتجارة الرقمية

اتفق المتحدثون على أن مستقبل التجارة الرقمية لا يمكن أن يُرسم من قبل قلة من الاقتصادات الكبرى. وبدلاً من ذلك، دعوا إلى تعاون متعدد الأطراف يوازن بين الابتكار والعدالة، ويضمن أن تعكس القواعد الرقمية السياقات الوطنية المتنوعة واحتياجات التنمية المختلفة.

واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن السياسة التجارية الأمريكية تظل قوة مركزية في تشكيل الحوكمة الرقمية العالمية، لكن يجب إخضاع آثارها للفحص والتقييم الدقيق. وإذا أُريد للتجارة الرقمية أن تحقق نموًا شاملاً، فلا بد من أطر سياسية تمكّن الاقتصادات الأصغر، وتُحصّن حقوق المستهلكين، وتضمن أن تخدم التكنولوجيا الصالح العام، لا المصالح الاحتكارية للشركات العملاقة.

 

تصاعد النزاعات التجارية: تأثيرها على الوظائف وسبل العيش

ركّزت الجلسة على الكلفة البشرية لتفاقم التوترات في التجارة العالمية. شارك قادة نقابات عمالية من الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب أفريقيا والبرازيل في النقاش، حيث استعرضوا كيف تؤدي الرسوم الجمركية المتزايدة والمنافسات الجيوسياسية إلى تقويض الوظائف، وتقليل الدخول، وزعزعة استقرار المجتمعات حول العالم.

أدار الجلسة إريك مانزي، نائب الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)، مؤكداً أن الرسوم الجمركية، وإن كانت تُبرر أحياناً كأدوات للسياسة الصناعية، فإن استخدامها الحالي يسهم في انتشار حالة من عدم اليقين والمشقة الاقتصادية على نطاق واسع.

 

التجربة الأمريكية: وعود لم تتحقق

أوضح إريك غوتوالد من الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) أن السياسات الجمركية التي تبنتها إدارة ترامب، والتي صيغت في البداية كوسيلة لخفض العجز التجاري وإنعاش الوظائف الصناعية، لم تحقق سوى القليل من النتائج الإيجابية للعمال الأمريكيين. وأشار إلى أن الرسوم الانتقامية رفعت متوسط التعريفات الجمركية الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1938، لكن "حتى الآن لا تبدو النتائج جيدة" فيما يتعلق بخلق الوظائف. وأضاف أن الولايات المتحدة فقدت عشرات الآلاف من الوظائف الصناعية، بينما ارتفع التضخم وتزايدت حالة عدم اليقين. كما انتقد غوتوالد استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط لقضايا غير تجارية، واصفاً ذلك بأنه سابقة خطيرة تقوّض الثقة في منظومة التجارة العالمية.

 

المخاوف الأوروبية: وظائف مهددة

من جانبها، شدّدت إلينا كراستا من الاتحاد الأوروبي للنقابات العمالية (ETUC) على أن الوظائف الأوروبية، خصوصاً في القطاعات المعتمدة على التصدير مثل صناعة السيارات والكيماويات والآلات، باتت شديدة الهشاشة أمام الرسوم الأمريكية. ودعت إلى تدابير مرافقة لحماية العمال في القطاعات المتضررة، منتقدة غياب بنود ملزمة لحماية العمال في الاتفاقيات الأخيرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وأكدت أن السياسات التجارية يجب أن ترافقها ضمانات وظيفية، مذكّرة بأن "هناك دائماً رابحين، ولكن أيضاً خاسرين - وغالباً ما يتم تجاهل أصوات الخاسرين."

 

الواقع الجنوب أفريقي: كارثة تلوح في الأفق

وصف سيمون إبل من نقابة عمال الملابس والمنسوجات في جنوب أفريقيا تأثير الرسوم الجمركية القاسية على بلاده بأنها لا تقل عن "كارثة". وأوضح كيف أن صناعات متنوعة، من السيارات إلى صادرات الحمضيات وحتى المؤسسات الصغيرة المنتجة للسلع المتخصصة، تواجه خسائر في الوظائف وإغلاقات متزايدة. ونظراً لارتفاع معدلات البطالة في جنوب أفريقيا، فإن كل وظيفة مفقودة تعني فقدان مصدر عيش لعدة أفراد يعتمدون على دخلها، ما يضاعف الأعباء الاجتماعية. وأبرز إبل دور الحوار الاجتماعي عبر مؤسسات مثل مجلس التنمية الاقتصادية والعمل الوطني (NEDLAC) في بلاده، مؤكداً أن الحوار ليس علاجاً كاملاً لكنه أداة أساسية لإدارة المخاطر وبناء استجابات منسقة.

 

المنظور البرازيلي: تدخل سياسي

أكد أنطونيو دي ليشبوا أمانسيو فالي، ممثل اتحاد العمال البرازيلي (CUT-Brazil)، أن الرسوم الأمريكية ضد البرازيل استُخدمت كأدوات للتدخل السياسي، مما ضاعف الأضرار الاقتصادية وهدد في الوقت نفسه الاستقرار الديمقراطي. وأفاد بأن الرسوم الجمركية كلّفت البرازيل مئات الآلاف من الوظائف، خاصة في قطاع الزراعة. ودعا إلى تنسيق أوثق بين الحكومات والحركات النقابية - في الجنوب العالمي ومع الحلفاء في أوروبا والولايات المتحدة - لمواجهة مشتركة لهذه السياسات.

 

بناء نظام تجاري عادل وشامل

تكررت خلال النقاش الدعوات إلى إعادة وضع الانسان في قلب القواعد التجارية، لا الأرباح فقط. وأكد المشاركون أنه من دون معايير عمل قابلة للإنفاذ، وسياسات صناعية شاملة، وتعاون دولي، فإن النزاعات التجارية ستزيد من حدة اللامساواة العالمية. كما لخّص مانزي الموقف قائلاً: "الرسوم الجمركية إذا استُخدمت كأسلحة قد لا تحمي أحداً - لا العمال في الولايات المتحدة، ولا المزارعين في البرازيل، ولا عمال المصانع في جنوب أفريقيا، ولا المجتمعات في أوروبا."

واختُتمت الجلسة بالدعوة إلى إعادة تصور قواعد التجارة بحيث تحمي الوظائف وسبل العيش، وتعزز الحوار الاجتماعي، وتضمن أن تُوزع مكاسب العولمة بشكل أكثر عدلاً. وبالنسبة للعمال حول العالم، فإن آثار النزاعات التجارية المتصاعدة ليست نظرية - بل تُقاس بالوظائف المفقودة، وارتفاع الأسعار، وتفكك المجتمعات.

 

الخاتمة

كشف منتدى منظمة التجارة العالمية 2025 عن نظام تجاري يمر بأزمة عميقة، لكنه لا يزال يمتلك أدوات للتجديد والإصلاح. فقد شددت الجلسة الافتتاحية على الحاجة الملحة لاستعادة الثقة والقدرة على التنبؤ، بينما أظهر إطلاق تقرير التجارة العالمي 2025 أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محركاً للنمو أو سبباً في تعميق الانقسامات.

وعبر الجلسات المختلفة، طالب المشاركون بضرورة تحقيق شمولية رقمية، وتعزيز مرونة الاقتصادات الصغيرة، وتوسيع التعاون الإقليمي في أفريقيا، واعتماد أطر مبتكرة مثل اتفاقيات الاقتصاد الرقمي (DEAs)، بالإضافة إلى توفير ضمانات ضد دوامات الحمائية. وكانت الرسالة الموحدة أن التجارة لا يمكن أن تترك لقوانين جامدة، بل يجب إعادة تشكيلها - عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والتعليم، والقواعد العادلة - لجعل الذكاء الاصطناعي والعولمة في خدمة الجميع.

واختُتم المنتدى بالتركيز على مسألة هامة مفادها أن العالم أمام خيار استراتيجي: إما تبنّي التعاون والإصلاح لبناء اقتصاد عالمي أكثر شمولاً، أو مواجهة خطر التشرذم واللامساواة وضياع الفرص. الاقتصاد يشير بوضوح إلى الحاجة الى الخيار الأول، لكن السياسة وحدها ستحدد ما إذا كان سيتم سلوك الطريق الأول.

 

[1] .Digital Economy Agreements (DEAs)

About Us

Enjoy the power of entrepreneurs' platform offering comprehensive economic information on the Arab world and Switzerland, with databases on various economic issues, mainly Swiss-Arab trade statistics, a platform linking international entrepreneurs and decision makers. Become member and be part of international entrepreneurs' network, where business and pleasure meet.

 

 

Contact Us

Please contact us : 

Cogestra Laser SA

144, route du Mandement 

1242 Satigny - Geneva

Switzerland