المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية 2025 التجارة، الثقة والتحوّل في عصر الذكاء الاصطناعي (مختصر)

Admin SAE September 1, 2026

انعقد المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية لعام 2025 في شهر ايلول/سبتمبر المنصرم، جنيف في فترة تشهد تحولات دقيقة عالمية هامة. ففي ظل عودة السياسات الحمائية وتصاعد التوترات الجيوسياسية وفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية غير مسبوقة على شركائها التجاريين، وجد المجتمع الدولي نفسه أمام سؤال محوري: هل ما زال النظام التجاري المتعدد الأطراف قادراً على الصمود والتجدد أمام هذه التحديات؟ جاء المنتدى، الذي جمع نخبة من القادة الاقتصاديين والسياسيين ورواد الأعمال، ليعيد التأكيد على أن مستقبل التجارة العالمية لن يُبنى على الخوف والانغلاق، بل على الثقة، والقدرة على التنبؤ، والابتكار.

شهدت الجلسة الافتتاحية مشاركة واسعة وشكلت فرصة لتناول أهم الموضوعات، وقد أكدت نغوزي أوكونجو-إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة، في كلمتها خلال الجلسة بأن النظام التجاري "منحني لكنه لم ينكسر". فبرغم الضغوط السياسية وتنامي الإجراءات الأحادية، لا تزال غالبية التجارة الدولية تسير وفق قواعد المنظمة. هذا التذكير لم يكن مجرّد إحصاء، بل إشارة سياسية إلى أن الحل لا يكمن في تجاوز النظام القائم، بل في إصلاحه وتفعيله من جديد. كما تحدث قادة الأعمال من منطلق تجربتهم العملية بعيدا عن الخطابة، مؤكدين أن غياب القواعد المتوقعة يولّد احتكاكات، وهذه الاحتكاكات ترفع التكاليف وتقلص فرص النمو. ومن شركة لوريال إلى ميتسوبيشي، عبّر المتحدثون عن حاجة الشركات إلى بيئة تنظيمية مستقرة، بحيث يمكن للموردين والمستهلكين على السواء أن يخططوا بثقة للمستقبل، مؤكدين على أنه لا يمكن أن يعاد كتابة قواعد اللعبة بين ليلة وضحاها.

وشهد المنتدى الفقرة الأهم مع إطلاق تقرير التجارة العالمية 2025، الذي تناول العلاقة المعقدة بين الذكاء الاصطناعي والتجارة. التقرير رسم صورة مزدوجة: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قوة هائلة للنمو والتكامل الاقتصادي، لكنه قد يتحول أيضاً إلى محرك جديد للتفاوت إذا لم ترافقه سياسات رشيدة. فالتكنولوجيا قادرة على تخفيض تكاليف النقل والإنتاج، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتحسين الكفاءة عبر سلسلة التوريد، لكنها في الوقت ذاته تُظهر بوضوحٍ خطراً جسيماً: الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية ما زالت تتسع، والبنية التحتية للاتصال، والمهارات الرقمية، والسياسات الوطنية غير متوازنة.

كما ناقش المتحدثون، من كبار الاقتصاديين والخبراء، هذه المفارقة بواقعية. فبينما تمتلك الاقتصادات الكبرى استراتيجيات متكاملة لتطوير الذكاء الاصطناعي، ما تزال العديد من الدول النامية تفتقر إلى خطط وطنية في هذا المجال. النتيجة المحتملة هي ما وصفه التقرير بـ"الانقسام التكنولوجي"، حيث تحصد الدول المتقدمة معظم المكاسب بينما يتخلف الآخرون. في المقابل، شددت نغوزي أوكونجو-إيويالا على أن هذا السيناريو ليس قدراً حتمياً، بل خيار سياسي يمكن تغييره عبر الاستثمار في التعليم، والبنية الرقمية، وتمكين الشركات الصغيرة. كما قالت بأن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن البشر، بل هو أداة لتعظيم قدراتهم إذا ما استُخدمت بحكمة.

وقد انعكست هذه الرؤية في الجلسات الموازية التي تناولت التحول الرقمي من زوايا متعددة. ففي جلسة "ردم الفجوات الرقمية عبر الحلول المحلية"، ظهر البعد الإنساني للتكنولوجيا. تحدث رواد أعمال شبان وشابات من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية عن مبادرات محلية نجحت في تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة تمكين اجتماعي واقتصادي. لم تكن القصص عن شركات عملاقة، بل عن مبادرات صغيرة تصنع فرقاً في مجتمعاتها، تربط المزارعين بالمستهلكين، وتتيح للمواهب الإبداعية منصة عالمية، وتمنح المجتمعات الأصلية صوتاً في العالم الرقمي. هذه التجارب أبرزت أن الابتكار لا يأتي فقط من العواصم أو المختبرات الكبرى، بل من القاعدة، من حيث تكمن الحاجات الحقيقية.

وفي نفس السياق، ناقشت جلسة "المرونة الرقمية للاقتصادات الصغيرة" كيف يمكن للدول الجزرية والصغيرة أن توظف التجارة الإلكترونية لتجاوز قيود الجغرافيا. وقد شدد المتحدثون من الكاريبي والمحيط الهادئ على أن الرقمنة ليست رفاهية، بل وسيلة للبقاء في اقتصاد عالمي يتجه بخطى سريعة نحو الخدمات الرقمية. ومع ذلك، فإن النجاح يتطلب بناء القدرات البشرية قبل البنى التقنية: حيث أنه لا فائدة من منصات متطورة في بيئة تفتقر إلى المهارات والمعرفة الرقمية.

أما إفريقيا، فقد كانت حاضرة بقوة كعادتها في المنتدى. فقد كشف التقرير السنوي للتنمية الاقتصادية في القارة الافريقية لعام 2024 الذي عرضته الأونكتاد، عن معضلة مزدوجة: وفرة الموارد وضعف القيمة المضافة. أكثر من نصف صادرات الدول الإفريقية ما تزال تتركز في المواد الأولية، وهو ما يجعل الاقتصادات عرضة للتقلبات الخارجية. غير أن الأمل يكمن في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تشكل فرصة تاريخية لبناء سلاسل قيمة داخلية، وتحويل التجارة الإفريقية من تجارة المواد الخام إلى تجارة السلع المصنعة. ومع تزايد الاستثمار في الطاقة المتجددة والرقمنة، يمكن للقارة أن تنتقل من الهشاشة إلى المرونة، شريطة أن تقترن الخطط الإقليمية بسياسات تمويل واقعية ودعمٍ حقيقي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

ولأن مستقبل الاقتصاد الرقمي لا يتوقف عند التكنولوجيا بل عند القواعد التي تحكم السوق والعلاقات التجارية، فقد ناقش المنتدى اتفاقيات الاقتصاد الرقمي الجديدة (DEAs)، التي باتت تُعد الجيل القادم من الاتفاقيات التجارية. حيث أنه من المفترض أن تكون هذه الاتفاقيات، بخلاف الاتفاقيات التقليدية، مرنة وقابلة للتدرج، وتسمح للدول النامية بالانضمام وفقاً لظروفها وقدراتها. وهي تركّز على قضايا عملية كتنقل البيانات والمدفوعات الإلكترونية والضرائب الرقمية، وتُعد خطوة نحو حوكمة رقمية أكثر شمولاً. الفكرة الجوهرية هنا أن الاقتصاد الرقمي لا يمكن أن يُدار بعقلية القرن الماضي، وأن القواعد يجب أن تكون ديناميكية بقدر ما هي منصفة.

وفي خضم هذه النقاشات، لم يغب الجانب السياسي عن المشهد. فقد تناولت إحدى الجلسات تأثير السياسات التجارية الأمريكية على النظام الرقمي العالمي، حيث أثيرت المخاوف من أن السعي الأمريكي لتقييد الوصول الى المكونات التكنولوجية، خاصة ما يتعلق بالشرائح الالكترونية، قد يؤدي إلى خللٍ في توازن القوى الاقتصادية. ممثلو الدول النامية حذروا من أن مثل هذه السياسات تحد من قدرتهم على رسم استراتيجيات وطنية لحماية مصالحهم، مؤكدين أن الحوكمة الرقمية يجب أن تكون متعددة الأطراف لا حكراً على القوى الكبرى.

وفي المقابل، سلطت جلسة أخرى الضوء على البعد الاجتماعي للنزاعات التجارية، حيث تحدث ممثلو النقابات من الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية عن التكلفة الحقيقية للتوترات التجارية على الوظائف وسبل العيش. فالرسوم الجمركية، مهما كان مبررها الاقتصادي، أصبحت تُستخدم أحياناً كسلاح سياسي، بينما يدفع العمال الثمن. ومع غياب سياسات الحماية الاجتماعية الفعالة، تتحول هذه النزاعات إلى مصدر جديد لعدم المساواة. ومن هنا جاءت الدعوة إلى إعادة التفكير في النظام التجاري العالمي بحيث يوازن بين الربحية والعدالة الاجتماعية.

إن قراءة مجمل جلسات المنتدى تُظهر أن التجارة العالمية تمرّ بمرحلة إعادة تعريف شاملة. لم يعد السؤال ما إذا كان العالم سيبقى منفتحاً، بل كيف يمكن جعل الانفتاح عادلاً، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة للاندماج في النظام الاقتصادي العالمي لا للاستبعاد. فالثقة، التي تراجعت في السنوات الأخيرة، لا تُبنى بالتصريحات بل بالأفعال من خلال تبني قواعد واضحة، وتعزيز الشفافية، وتوفير شبكات أمان للعمال، ودعم الاقتصادات الأضعف لتكون جزءاً من اللعبة لا ضحيةً لها.

في ختام المنتدى، تم التأكيد على مسألة هامة وهي أن التجارة ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلة لتوزيع الفرص والنمو بشكل يحقق العدالة للجميع. وإذا كان الذكاء الاصطناعي هو العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة، فإن نجاحه سيقاس ليس فقط بقدرته على رفع الكفاءة، بل بمدى مساهمته في بناء نظام تجاري أكثر إنصافاً وشمولاً. العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما التعاون لإعادة بناء الثقة في النظام التجاري العالمي، أو الانزلاق نحو مزيد من التشرذم وعدم المساواة.

أجمع المشاركون على ان المصلحة الاقتصادية تتطلب تبني الخيار الأول - لأن الحكمة والمنفعة يحتمان المضي قدما في اصلاح النظام الحالي - لكن مما لا شك فيه فان السياسة هي من ستقرر المسار الذي سيتم انتهاجه.

About Us

Enjoy the power of entrepreneurs' platform offering comprehensive economic information on the Arab world and Switzerland, with databases on various economic issues, mainly Swiss-Arab trade statistics, a platform linking international entrepreneurs and decision makers. Become member and be part of international entrepreneurs' network, where business and pleasure meet.

 

 

Contact Us

Please contact us : 

Cogestra Laser SA

144, route du Mandement 

1242 Satigny - Geneva

Switzerland