الذكاء الاصطناعي في عالم غير متكافئ: فرص غير محدودة تنتظر رواد الأعمال
لا يشبه الذكاء الاصطناعي (AI) أي موجة تكنولوجية سابقة. فهو لا يُعيد فقط تعريف طريقة عمل الشركات، بل يُعيد رسم الحدود الجيوسياسية بين دول متقدمة تمتلك أدوات القيادة الرقمية، وأخرى نامية تحاول اللحاق بركب سريع التطور. وبينما تبشر هذه التقنية بإنتاجية غير مسبوقة وفرص اقتصادية هائلة، إلا أن تركيز القوة في يد عدد محدود من الشركات والدول ينذر بتوسيع فجوة عالمية باتت أصعب على الدول النامية تجاوزها.
وفي زمن يتغير فيه الاقتصاد بسرعة عالية جدا، لم تعد فرص الريادة تُصنع فقط من الأفكار، بل من القدرة على التفاعل مع موجات التكنولوجيا العميقة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. فهذه التقنية لا تمثل مجرد تطور تقني، بل تحول جذري في طريقة التفكير، العمل، والتوسع. وعليك أن تتخيل عالماً يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي كتابة عقودك القانونية، تصنيف بيانات عملائك، تطوير حملاتك الإعلانية، وحتى بناء منتجك الأولي في أيام قليلة. هذه لم تعد خيالات، بل واقع يُعاد تشكيله الآن، ويستدعي من رواد الأعمال أن يتحركوا بسرعة، وذكاء.
الاقتصاد الجديد: من يمتلك الذكاء الاصطناعي يكتب القواعد
تشير تقديرات تقرير الأونكتاد للتكنولوجيا والابتكار 2025 إلى أن قيمة السوق العالمية للتكنولوجيات الرائدة ستصل إلى 16.4 تريليون دولار بحلول 2033، وسيمثل الذكاء الاصطناعي النصيب الأكبر منها (4.8 تريليون دولار) (شكل 1). ما يميز هذه الموجة أنها لا تكتفي بأتمتة المهام الروتينية، بل تقتحم مجالات معرفية كانت حكرًا على البشر - كالتحليل القانوني، والتشخيص الطبي، والتصميم الإبداعي.
خلاًفاً للتكنولوجيات السابقة، يتمتع الذكاء الاصطناعي بالقدرة على تغيير مجموعة واسعة من المهام المعرفية التي كانت في السابق حكراً على العمال ذوي المهارات العالية. ويمكن أُن يُغيّر استخدام الذكاء الاصطناعي مجموعة واسعة من المهام، ولاسيما المهام المعرفية التي كانت تعتبر في السابق حكراً على العمال ذوي المهارات العالية. ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي، على سبيل المثال، أُن يقوم بتوليد النصوص وإنتاج الصور ومقاطع الفيديو وكتابة التعليمات البرمجية الحاسوبية وتحديد الأنماط المعقدة في البيانات للخدمات القائمة على المعرفة. وتشير الأبحاث التي أُجريت حتى الآن إلى أُنه يمكن للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أُن تحقق مكاسب هامة من حيث الإنتاجية، ولا سيما تلك التي توظف عمالا مهرة وتلك التي تعمل في صناعات الخدمات.
لكن ماذا يعني هذا لرائد أعمال في الرياض أو نيروبي أو ساو باولو؟ الإجابة بسيطة: أن فرص النمو الحقيقية تكمن في فهم أين توجد الفجوات، وأين يمكن بناء حلول محلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، سواء في التعليم، الصحة، الزراعة، أو الخدمات المالية.

الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي
يعَدُ كبار موردي التكنولوجيات الرائدة الان من بين أُكثر الشركات قيمةً سوقيةً في العالم. وتبلغ القيمة السوقية لكل ابل ونيفيديا وميكروسوفت (Microsoft و NvidiaوApple) أُكثر من 3 تريليون دولارا أُمريكيا، أُي ما يقارب إجمالي الناتج المحلي للقارة الافريقية، أُو إجمالي الناتج المحلي للمملكة المتحدة وأُيرلندا الشمالية، سادس أُكبر اقتصاد في العالم. والشركات الخمس الأولى هي شركات من الولايات المتحدة الأمريكية، وتعتبر ثلاث شركات رائدة في صناعة الرقائق الالكترونية (TSMC و BroadcomوNvidia)، من بين الشركات العشر الأولى في العالم، وتركز كلها تقريبا على التكنولوجيا الرائدة وتستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي (شكل 2)[1].
وهناك أُيضاً تركيز كبير على الاستثمار في البحث والتطوير في عدد قليل من البلدان. وفي عام 2022 ، نفُذ 40 في المائة من عمليات البحث والتطوير الممولة من الشركات في جميع أُنحاء العالم من قبل 100 شركة فقط، يقع المقر الرئيسي لنصفها تقريبا في الولايات المتحدة، وعلى رأسها Alphabet و Metaو Microsoft وApple، فيما يقع مقر حوالي 13% منها في الصين، تتزعمها شركتا Huawei وTencent، بعد أن كانت نسبتها 2% قبل 10 سنوات، متجاوزة بذلك رواد مجال البحث والتطوير التقليدية مثل أُلمانيا واليابان وجمهورية كوريا وسويسرا والمملكة المتحدة. ولا ينتمي أُي من أُكبر 100 شركة مستثمِرة في مجال البحث والتطوير إلى البلدان النامية، باستثناء الصين. وتهدد الهيمنة على السوق، سواء على مستوى الشركات أُو على المستوى الوطني، بتوسيع الفجوات التكنولوجية العالمية، مما يزيد من صعوبة التحاق المتأخرين بالركب.
[1] Broadcom وNvidia الولايات المتحدة، TSMC مقاطعة تايوان الصينية.

الفجوة التي تفصل الدول المتقدمة والنامية في الذكاء الاصطناعي
بالرغم من الفرص الكبيرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، الا ان استغلال هذه التكنولوجيا يحتاج الى توفر البيئة المناسبة، ولهذا يلقي التقرير الضوء على الفجوات الرقمية الكبيرة بين الدول، والتي من شأنها أن تتّسع أكثر مع ظهور الذكاء الاصطناعي. وقد أشار الى أنه فيما يتعلق بالبنية التحتية، على سبيل المثال، تمتلك الولايات المتحدة حوالي ثلث أُفضل 500 من الحواسيب العملاقة وأُكثر من نصف الأداء الحاسوبي الكلي. ويقع معظم مراكز البيانات أُيضاً في الولايات المتحدة. في المقابل فان هناك قدرات محدودة في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي للبلدان النامية، باستثناء كل من البرازيل والصين والهند والاتحاد الروسي، وهو ما يعيق قدرتها على اعتماد الذكاء الاصطناعي وتطويره. وتتجلى فجوة الذكاء الاصطناعي أُيضاً في قلة مقدمي الخدمات والاستثمار وقلة توليد المعارف.
ولذلك، يدعو التقرير إلى تطوير الذكاء الاصطناعي على أساس الشمول والانصاف، ويؤكد التقرير على ضرورة أن تكون تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي بمثابة مُكمّل لعمل البشر بدلاً من أن تحل محله، كما أنه ينبغي إعادة هيكلة الانتاج حتى تُتقاسم المزايا بشكل عادل بين البلدان والشركات والعمال.
الركائز الجوهرية الثلاث لتسريع وتيرة التقدم في الذكاء الاصطناعي
يشير تقرير الأونكتاد إلى ثلاث ركائز جوهرية لتسريع وتيرة التقدم في الذكاء الاصطناعي (شكل 3):
- البنية التحتية
ليست الكهرباء والإنترنت وحدها ما يحدد مدى جاهزية دولة ما، بل القدرات الحاسوبية المتقدمة، مثل وحدات المعالجة الرسومية (GPUs) والخوادم العملاقة. تمتلك الولايات المتحدة وحدها ثلث أفضل 500 حاسوب عملاق عالميًا، بينما لا تملك معظم الدول الإفريقية أي وجود في هذا التصنيف.
حتى الدول ذات دخل متوسط كالبرازيل أو جنوب إفريقيا تعاني من غياب مراكز بيانات قادرة على استضافة نماذج AI ضخمة مثل GPT-4 أو Claude. وعدم توفر هذه البنية يحد من قدرة الباحثين المحليين على تجريب النماذج أو تدريب نماذجهم الخاصة، مما يجعلهم معتمدين بالكامل على مزودي خدمات في الدول الصناعية.
- البيانات
الذكاء الاصطناعي لا يتغذى إلا على البيانات. لكن في الدول النامية، البيانات إما غير متوفرة، أو مشتتة، أو غير قابلة للاستخدام بسبب ضعف البنية القانونية. الدول التي تمتلك سياسات متقدمة لحوكمة البيانات مثل الاتحاد الأوروبي (من خلال لائحة GDPR) تتمتع بميزة تنافسية في جذب استثمارات الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، تعاني بلدان مثل نيجيريا أو بنغلاديش من ضعف في تنظيم البيانات، وغياب معايير موحدة، مما يعيق تدريب النماذج محليًا ويعرّض الخصوصية المجتمعية للخطر.
- المهارات
الركيزة الأهم ربما هي المهارات. فبدون مطورين، وعلماء بيانات، ومهندسي خوارزميات، لا يمكن لأي دولة أن تكون فاعلة في بيئة الذكاء الاصطناعي. تحتل الولايات المتحدة الصدارة من حيث عدد المطورين على منصة GitHub، تليها الهند والصين.
لكن هناك بصيص أمل. دول مثل نيجيريا وغانا وكينيا شهدت نموًا بلغ 40% في عدد المطورين خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت مراكز إقليمية ناشئة تجذب شركات تكنولوجيا ناشئة واستثمارات في حاضنات الأعمال. على سبيل المثال، أنشأت Andela، وهي شركة نيجيرية، شبكة لتدريب وتوظيف مطوري الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء القارة.

تعتبر المهارات من النقاط المهمة لشرط الجاهزية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي. وقد عمدت الدول المتقدمة والعديد من الدول الصاعدة الى الاهتمام بالمهارات الخاصة بالذكاء الاصطناعي وهي مسألة هامة للتمركُز الاستراتيجي من أجل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. وتضم الولايات المتحدة العدد الأكبر من المطورين، تليها الهند والصين، اللتان تتوفران أُيضاً على أُكبر عدد من السكان في العالم. كما عززت بعض البلدان النامية في أُفريقيا وجنوب شرق آسيا البنية التحتية لدعم استخدام الإنترنت عبر توفير الشبكات عبر الحدود. وحققت الصين ميزة قوية من حيث يسر تكلفة البيانات وكميتها. وكوّنت الهند والصين والبرازيل مجموعات كبيرة من مطوري الذكاء الاصطناعي.
تضم الولايات المتحدة أكبر عدد من المطورين على منصة ([1]GitHub)، تليها الهند والصين (شكل 4)، كما تمتلك كل من الصين والهند كتلة كبيرة من مطوري الذكاء الاصطناعي، مما يمنحهما موقعًا متميزًا في تطوير الذكاء الاصطناعي وإنتاج المعرفة العلمية المتعلقة به.
ووفقا لبيانات أونكتاد فقد شهد العديد من البلدان النامية نموًا سريعًا في عدد المطورين. وسُجّلت أسرع نسبة زيادة، بلغت 40 في المائة، في نيجيريا وغانا وكينيا، التي أصبحت مراكز واعدة لشركات التكنولوجيا. كما أن النمو في عدد المطورين كان ملحوظًا في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، على سبيل المثال في الأرجنتين وبوليفيا وكولومبيا والبرازيل. أما في آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، فإن الهند وفيتنام وإندونيسيا والفلبين كانت تمتلك بالفعل عددًا كبيرًا من المطورين.
[1]:GitHub هو منصة إلكترونية تُستخدم لإدارة الإصدارات وتطوير البرمجيات بشكل تعاوني. تُمكّن المطورين من تخزين الشيفرة البرمجية وإدارتها وتتبع التعديلات باستخدام نظام Git، وتُستخدم على نطاق واسع من قبل الأفراد والشركات والمجتمعات، وتدعم المشاريع المفتوحة والمغلقة المصدر.

مؤشر الجاهزية مؤشر الجاهزية للتكنولوجيات الرائدة
أطلق الأونكتاد مؤشر الجاهزية للتكنولوجيات الرائدة لقياس مدى استعداد الدول لتبني التكنولوجيات مثل الذكاء الاصطناعي. حيث تصدرت الولايات المتحدة المؤشر، تليها السويد والمملكة المتحدة وهولندا، فيما تأتي سويسرا في المركز السادس، حيث تأتي هذه الدول في أعلى التصنيف بفضل استثمارها في البحث والتطوير، وجودة مؤسساتها التعليمية، وابتكاراتها الصناعية. في المقابل، أحرزت دول صاعدة تقدما ملحوظا في هذا المجال، فقد احرزت الصين تقدما ملحوظا وحازت على المرتبة 21 بعد أن كانت في المركز 28، فيما قفزت الهند الى المرتبة 36 بعد أن كانت في المركز 48، اما البرازيل فقد حازت على المرتبة 38 بعد أن كانت في المركز 40، وتعتبر هذه النتائج نتيجة للسياسات الحكومية النشطة في التعليم والابتكار، والشراكة مع القطاع الخاص لإنشاء مراكز تميز.
في المقابل، لا تزال الدول العربية، رغم طموحاتها الرقمية، في موقع متأخر نسبيًا. باستثناء الإمارات والسعودية، تُظهر المؤشرات فجوة بين الطموح والواقع بالاستناد الى الأرقام والبيانات.
ويُعزى تقدم الهند جزئيًا إلى السياسات الحكومية، حيث تعاونت الحكومة على مدار السنوات بشكل وثيق مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية لإنشاء مراكز تميز، مثل المعهد الهندي للتكنولوجيا في حيدر أباد والمعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور في مجال الذكاء الاصطناعي، ومركز كوتاك للذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في المعهد الهندي للعلوم، ومركز التميز في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي التابع للرابطة الوطنية لشركات البرمجيات والخدمات. كما تعمل البرازيل على تنمية المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، على المستويين الفيدرالي والالوية. فعلى سبيل المثال، ومن خلال شراكات استراتيجية بين المؤسسات العامة والخاصة، أنشأت مؤسسة الأبحاث في ولاية ساو باولو شبكة من مراكز البحوث التطبيقية.
قنوات التأثير الرئيسية للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية والقوى العاملة:
يمكن للذكاء الاصطناعي التأثير على العمل البشري والإنتاجية غالبًا بشكل متزامن من خلال أربع قنوات رئيسية:
- استبدال العمل البشري:
يستخدم الذكاء الاصطناعي كبديل للبشر في المهام التي تتفوق فيها الآلات من حيث الكفاءة، مما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على العمالة البشرية لصالح رأس المال. مثال: في البنوك، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل آلاف المعاملات وكشف الاحتيال بدلاً من الاعتماد على المراجعة اليدوية.
- تكامل مع العمل البشري:
يعزز الذكاء الاصطناعي من كفاءة ومهارات البشر من خلال أداء المهام الروتينية (مثل تصحيح المستندات أو جدولة الاجتماعات)، مما يتيح للبشر التركيز على المهام التي تتطلب مهارات إنسانية. مثال: في الطب، يمكنه المساعدة في تشخيص الأمراض عبر تحليل الصور الطبية بطريقة أدق من قدرة الإنسان.
- تعميق الأتمتة:
يحل الذكاء الاصطناعي محل تقنيات أقل كفاءة ويزيد من مستوى الأتمتة. مثال: روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي (مثل "الذكاء الاصطناعي التوليدي") توفر خدمة عملاء أكثر دقة من الأنظمة التقليدية.
- خلق وظائف جديدة:
يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور وظائف جديدة مثل: مدربي الذكاء الاصطناعي (لتحسين النماذج)، مفسري الذكاء الاصطناعي (لتكييفه مع حالات استخدام محددة)، محافظي الذكاء الاصطناعي (لمراقبة الأخلاقيات والأداء).

الذكاء الاصطناعي كمنفعة عامة... أم كأداة احتكار؟
تشير تجربة الإنترنت إلى أن غياب الحوكمة العالمية يمكن أن يُحوّل التقنيات إلى أدوات احتكار. ومع أن الذكاء الاصطناعي يقدّم فوائد غير مسبوقة، إلا أن تقنين استخدامه، وتحديد حقوق الوصول إلى البيانات، ومراعاة الخصوصية، جميعها تتطلب تنسيقًا دوليًا معقدًا.
كما يحذر تقرير الأونكتاد من ترك الذكاء الاصطناعي بالكامل في يد القطاع الخاص، الذي قد لا يعطي أولوية لمصالح المجتمعات مقارنة بالربح. ولهذا، هناك دعوة لاعتبار الذكاء الاصطناعي "منفعة عامة عالمية"، على غرار الصحة أو المناخ.
كما يؤكد على ضرورة التعاون الدولي نظرا لوجود تأثيرات عابرة للحدود لأن الذكاء الاصطناعي يشتمل على سلع وخدمات غير ملموسة يمكن محاكاتها واستخدامها في أُي مكان تقريباً. حيث يؤكد على أهمية ضمان توفير الذكاء الاصطناعي كمنفعة عامة والتعاون بين أُصحاب المصلحة المتعددين لجعله متاحاً ومنصفاً ومفيداً للجميع، وتعزيز الأبتكار الشامل من أُجل مواجهة التحديات العالمية.
التوصيات
تطوير استراتيجيات وطنية: استنادًا إلى التقرير، يجب صياغة رؤية شاملة ومتكاملة لسياسات الذكاء الاصطناعي في البلدان النامية، تركّز على الاستخدام العادل والفعال للتكنولوجيا كأداة للتنمية المستدامة، وبالنسبة لتكنولوجيات رائدة، كالذكاء الاصطناعي، لا بد من مواكبة هذا التطور كي لا يقوّض الميزة النسبية التقليدية للبلدان النامية المتمثلة في انخفاض تكلفة اليد العاملة، وهو ما يتطلب إعادة النظر في السياسات الاقتصادية لهذه البلدان لتجنّب الوقوع في فخ التبعية التقنية.
الاستثمار في التعليم المهني والجامعي المتخصص: كما أن هناك ضرورة لتمكين العاملين وإعادة تأهيلهم للقيام بأدوار جديدة تتماشى مع التحولات الرقمية، وإشراكهم في تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي، لضمان أن تكون التكنولوجيا مكمّلة للعمل البشري لا بديلاً عنه. وفقا للتقرير فان هناك حاجة لتبني استراتيجيات تسريع وطنية تعتمد على تكييف حلول الذكاء الاصطناعي مع البنية التحتية المتاحة محليًا، وتوسيع نطاق استخدام البيانات المتوفرة، وتبسيط واجهات الاستخدام، مع إقامة شراكات استراتيجية للحصول على الموارد والخبرات اللازمة. كما أن هناك حاجة لبرامج محو الأمية الرقمية والتدريب المهني وإعادة التأهيل الوظيفي، بما يضمن تحوّلاً شاملاً لا يستثني أحدًا من ثمار التكنولوجيا. وفي هذا الاطار هناك دور هام للسياسات المالية في دعم هذا التحول، من خلال تخصيص تمويل موجّه للبحث والتطوير، واستخدام الحوافز الضريبية لتشجيع التكنولوجيا التي تدعم العمل البشري وتحفّز على الابتكار المحلي، ما يقلل من هجرة الكفاءات.
إنشاء صناديق سيادية للاستثمار في البحث والتطوير: يجب أن تتبنى الحكومات تموضعًا استراتيجيًا واضحًا يقوم على تقييم القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي عبر ثلاث ركائز: البنية التحتية، والبيانات، والمهارات، مع تحديد الثغرات واقتراح مسارات لحلول واقعية. ويعزز هذا التقييم القدرة على تصميم سياسات فعّالة تدفع بالنمو الاقتصادي الرقمي وتفتح المجال أمام المنافسة الدولية.
ووفقا للتقرير فان معالجة نقاط التأثير الثلاث – البنية التحتية، البيانات، المهارات – هو شرط جوهري لخلق بيئة مواتية للذكاء الاصطناعي. إذ يتطلب تحديث البنية التحتية الرقمية ضمان الوصول الشامل للكهرباء والإنترنت، كما أن مشاركة البيانات عالية الجودة وتعزيز المعايير الأخلاقية والقانونية المرتبطة بها ضروري لدعم الابتكار الآمن. أما على صعيد المهارات، فإن نشر المعرفة بالذكاء الاصطناعي من التعليم الأساسي وحتى المستويات المهنية، هو مفتاح رئيسي لتعزيز قدرات الدول النامية على المنافسة.
تبنّي سياسات بيانات مفتوحة وآمنة تحفّز الابتكار المحلي: وأخيرًا، فإن تبنّي نهج متعدد أصحاب المصلحة يُعد ضروريًا لتحقيق التوازن بين الابتكار والثقة العامة والسلامة، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الضعيفة والمهمّشة لضمان ألا يتسبب التحول الرقمي في تعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
إن الذكاء الاصطناعي الشامل للجميع، كما يطرحه التقرير، ليس خيارًا تقنيًا فحسب، بل رؤية تنموية متكاملة تتطلب قيادة سياسية، تنسيق مؤسسي، واستثمارًا طويل الأجل في الإنسان والبنية المعرفية.
كما يشكل التعاون الدولي ركيزة أساسية لضمان تطوير الذكاء الاصطناعي كمنفعة عامة عالمية. فالتحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من حيث الأمن، الخصوصية، التحيز الخوارزمي، والتحكم في البيانات، تتجاوز الحدود الوطنية وتتطلب تنسيقًا عالميًا واسع النطاق.
يرى تقرير الأونكتاد أن الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون امتيازًا للدول الغنية أو للشركات العملاقة، بل منفعة عامة. لكن هذا لن يحدث تلقائيًا. يتطلب الأمر قيادة من رواد أعمال قادرين على التفكير محليًا والعمل عالميًا، وبناء نماذج تجارية تربح وتحل مشاكل حقيقية. ويتوجب عليهم انتهاز الفرصة والتطلع الى يمكن تقديمه. الذكاء الاصطناعي هو أعظم فرصة تجارية في هذا العقد. والسؤال الحقيقي: هل أنت مستعد لركوب الموجة؟ أم ستشاهدها من الشاطئ؟